فصل: جحود النصارى رسالة محمد وسبهم لله

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى **


*1* الفصل الثاني ‏(‏مسائل الكتاب‏)‏

‏(‏هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى‏)‏ وقسمته قسمين‏:‏

‏(‏القسم الأول‏)‏ في أجوبة المسائل‏.‏

‏(‏القسم الثاني‏)‏ في تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بجميع أنواع الدلائل‏.‏

فجاء بحمد الله ومنه وتوفيقه كتاباً ممتعا ومعجبا، لا يسأم قاريه، ولا يمل الناظر فيه، فهو كتاب يصلح للدنيا والآخرة، ولزيادة الإيمان، ولذة الإنسان، يعطيك ما شئت من أعلام النبوة وبراهين الرسالة، وبشارات الأنبياء بخاتمهم‏.‏

واستخراج اسمه الصريح من كتبهم، وذكر نعته وصفته وسيرته من كتبهم، والتمييز بين صحيح الأديان وفاسدها وكيفية فساده بعد استقامتها، وجملة من فضائح أهل الكتابين وما هم عليه، وأنهم أعظم الناس براءة من أنبيائهم، وأن نصوص أنبيائهم تشهد بكفرهم وضلالهم، وغير ذلك من نكت بديعة لا توجد في سواه، والله المستعان وعليه التكلان، فهو حسبنا ونعم الوكيل‏.‏

*2* المسألة الأولى

فتقول‏:‏ ‏(‏أما المسألة الأولى‏)‏ وهي قول السائل‏:‏ ‏(‏‏(‏قد اشتهر عندكم بأن أهل الكتابين ما منعهم من الدخول في الإسلام إلا الرياسة والمأكلة لا غير‏)‏‏)‏ فكلام جاهل بما عند المسلمين وبما عند الكفار، أما المسلمون فلم يقولوا إنه لم يمنع أهل الكتاب من الدخول في الإسلام إلا الرياسة والمأكلة لا غير‏.‏

وإن قال هذا بعض عوامهم فلا يلزم جماعتهم، والممتنعون من الدخول في الإسلام من أهل الكتابين وغيرهم، جزء يسير جداً بالإضافة إلى الداخلين فيه منهم، بل أكثر الأمم دخلوا في الإسلام طوعا ورغبة واختيارا، لا كرها ولا اضطرارا، فإن الله سبحانه وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا إلى أهل الأرض وهم ‏(‏‏(‏خمسة أصناف‏)‏‏)‏ قد طبقوا الأرض‏:‏ يهود، ونصارى، ومجوس، وصابئة، ومشركون‏.‏

وهذه الأصناف هي التي كانت قد استولت على الدنيا من مشارقها إلى مغاربها‏.‏

فأما ‏(‏‏(‏اليهود‏)‏‏)‏ فأكثر ما كانوا باليمن، وخيبر، والمدينة وما حولها، وكانوا بأطراف الشام مستذلين مع النصارى، وكان منهم بأرض فارس فرقة مستذلة مع المجوس، وكان منهم بأرض العرب فرقة، وأعز ما كانوا بالمدينة، وخيبر، وكان الله سبحانه قد قطعهم في الأرض أمما وسلبهم الملك والعز‏.‏

وأما ‏(‏‏(‏النصارى‏)‏‏)‏ فكانوا طبق الأرض‏:‏ فكانت الشام كلها نصارى، وأرض المغرب كان الغالب عليهم النصارى، وكذلك أرض مصر، والحبشة، والنوبة، والجزيرة، والموصل، وأرض نجران، وغيرها من البلاد‏.‏

وأما ‏(‏‏(‏المجوس‏)‏‏)‏ فهم أهل مملكة فارس وما اتصل بها‏.‏

وأما ‏(‏‏(‏الصابئة‏)‏‏)‏ فأهل حران، وكثير من بلاد الروم‏.‏

وأما ‏(‏‏(‏المشركون‏)‏‏)‏ فجزيرة العرب جميعها وبلاد الهند وبلاد‏(‏ص 12‏)‏ الترك وما جاورها، وأديان أهل الأرض لا تخرج عن هذه الأديان الخمسة، ودين الحنفاء لا يعرف فيهم البتة، وهذه الأديان الخمسة كلها للشيطان‏.‏

كما قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره‏:‏ الأديان ستة، واحد للرحمن، وخمسة للشيطان، وهذه الأديان الستة مذكورة في آية الفصل في قوله تعالى‏:‏

‏(‏إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد‏)‏‏.‏

فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم استجاب له ولخلفائه بعده أكثر الأديان طوعا واختيارا، ولم يكره أحدا قط على الدين، وإنما كان يقاتل من يحاربه ويقاتله‏.‏

وأما من سالمه وهادنه فلم يقاتله، ولم يكرهه على الدخول في دينه امتثالا لأمر ربه سبحانه حيث يقول‏:‏ ‏(‏لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي‏)‏‏.‏

وهذا نفي في معنى النهي، أي‏:‏ لا تكرهوا أحدا على الدين، نزلت هذه الآية في رجال من الصحابة كان لهم أولاد، قد تهودوا وتنصروا قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام أسلم الآباء، وأرادوا إكراه الأولاد على الدين، فنهاهم الله سبحانه عن ذلك حتى يكونوا هم الذين يختارون الدخول في الإسلام‏.‏

والصحيح أن الآية على عمومها في حق كل كافر، وهذا ظاهر على قول من يجوز أخذ الجزية من جميع الكفار، فلا يكرهون على الدخول في الدين، بل إما أن يدخلوا في الدين وإما أن يعطوا الجزية‏.‏

كما يقوله أهل العراق وأهل المدينة، وإن استثنى هؤلاء بعض عبدة الأوثان، ومن تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تبين له أنه لم يكره أحدا على دينه قط، وإنه إنما قاتل من قاتله‏.‏

وأما من هادنه فلم يقاتله ما دام مقيماً على هدنته لم ينقض عهده، بل أمره الله تعالى أن يفي لهم بعهدهم ما استقاموا له، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم‏)‏ ولما قدم المدينة صالح اليهود وأقرهم على دينهم، فلما حاربوه ونقضوا عهده وبدؤوه بالقتال قاتلهم، فمن على بعضهم، وأجلى بعضهم، وقتل بعضهم، وكذلك لما هادن قريشا عشر سنين لم يبدءهم بقتال حتى بدءوا هم بقتاله، ونقضوا عهده‏.‏

فعند ذلك عزاهم في ديارهم، وكانوا هم يغزونه قبل ذلك كما قصدوه يوم أحد، ويوم الخندق، ويوم بدر أيضا، هم جاؤا لقتاله، ولو انصرفوا عنه لم يقاتلهم‏.‏

و‏(‏المقصود‏)‏ أنه صلى الله عليه وسلم لم يكره أحدا على الدخول في دينه البتة، وإنما دخل الناس في دينه اختيارا وطوعا، فأكثر أهل الأرض دخلوا في دعوته لما تبين لهم الهدى، وأنه رسول الله حقا‏.‏

فهؤلاء أهل اليمن كانوا على دين اليهودية، أو أكثرهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن‏:‏ ‏(‏‏(‏إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله‏)‏‏)‏ وذكر الحديث‏.‏

ثم دخلوا في الإسلام من غير رغبة ولا رهبة، وكذلك من أسلم من يهود‏(‏ص 13‏)‏ المدينة، وهم جماعة كثيرون غير عبد الله بن سلام، مذكورون في كتب السير والمغازي، لم يسلموا رغبة في الدنيا، ولا رهبة من السيف؛ بل أسلموا في حال حاجة المسلمين، وكثرة أعدائهم، ومحاربة أهل الأرض لهم من غير سوط ولا نوط، بل تحملوا معاداة أقربائهم، وحرمانهم نفعهم بالمال والبدن، مع ضعف شوكة المسلمين، وقلة ذات أيديهم‏.‏

فكان أحدهم يعادي أباه وأمه وأهل بيته وعشيرته، ويخرج من الدنيا رغبة في الإسلام لا لرياسة ولا مال، بل ينخلع من الرياسة والمال ويتحمل أذى الكفار من ضربهم وشتمهم، وصنوف أذاهم، ولا يصرفه ذلك عن دينه‏.‏

فإن كان كثير من الأحبار والرهبان والقسيسين، ومن ذكره هذا السائل قد اختاروا الكفر، فقد أسلم جمهور أهل الأرض من فرق الكفار، ولم يبق إلا الأقل بالنسبة إلى من أسلم‏.‏

فهؤلاء نصارى الشام كانوا ملء الشام، ثم صاروا مسلمين إلا النادر، فصاروا في المسلمين كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، وكذلك المجوس كانت أمة لا يحصي عددهم إلا الله فأطبقوا على الإسلام لم يتخلف منهم إلا النادر، وصارت بلادهم بلاد إسلام، وصار من لم يسلم منهم تحت الجزية والذلة‏.‏

وكذلك اليهود، أسلم أكثرهم ولم يبق منهم إلا شرذمة قليلة مقطعة في البلاد، فقول هذا الجاهل‏:‏ ‏(‏‏(‏إن هاتين الأمتين لا يحصى عددهم إلا الله كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم‏)‏‏)‏ كذب ظاهر وبهت مبين، حتى لو كانوا كلهم قد أجمعوا على اختيار الكفر، لكانوا في ذلك أسوة قوم نوح، وقد أقام فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله ويريهم من الآيات ما يقيم حجة الله عليهم، وقد أطبقوا على الكفر إلا قليلا منهم، كما قال تعالى‏:‏

‏(‏وما آمن معه إلا قليل‏)‏ وهم كانوا أضعاف أضعاف هاتين الأمتين‏.‏

وعاد أطبقوا على الكفر، وهم أمة عظيمة عقلاء حتى استؤصلوا بالعذاب، وثمود أطبقوا جميعهم على الكفر بعد رؤية الآية العظيمة التي يؤمن على مثلها البشر، ومع هذا فاختاروا الكفر على الإيمان، كما قال تعالى‏:‏

‏(‏وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى‏)‏ وقال تعالى‏:‏

‏(‏وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين‏)‏‏.‏

فهاتان أمتان عظيمتان من أكبر الأمم قد أطبقتا على الكفر مع البصيرة، فالأمتان إذ أطبقتا على الكفر فليس ذلك ببدع، وهؤلاء قوم فرعون مع كثرتهم قد أطبقوا على جحد نبوة موسى مع تظاهر الآيات الباهرة آية بعد آية فلم يؤمن منهم إلا رجل واحد كان يكتم إيمانه‏.‏

وأيضاً فيقال للنصارى‏:‏ هؤلاء اليهود مع كثرتهم في زمن المسيح، حتى كانوا ملأ بلاد الشام، كما قال تعالى‏:‏

‏(‏وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومضاربها التي باركنا فيها‏)‏ وكانوا قد أطبقوا على‏(‏ص 14‏)‏ تكذيب المسيح، وجحدوا نبوته، وفيهم الأحبار والعباد والعلماء، حتى آمن به الحواريون، فإذا جاز على اليهود وفيهم الأحبار والعباد والزهاد وغيرهم الإطباق على جحد نبوة المسيح، والكفر به، مع ظهور آيات صدقه كالشمس، جاز عليهم إنكار نبوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم‏.‏

ومعلوم أن جواز ذلك على أمة الضلال الذين هم أضل من الأنعام وهم النصارى أولى وأحرى، فهذا السؤال الذي أورده هذا السائل وارد بعينه في حق كل نبي كذبته أمة من الأمم، فإن صوب هذا السائل رأى تلك الأمم كلها فقد كفر بجميع الرسل‏.‏

وإن قال إن الأنبياء كانوا على الحق، وكانت تلك الأمم مع كثرتها، ووفور عقولها على الباطل، فلأن يكون المكذبون بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وهم الأقلون الأذلون الأرذلون، من هذه الطوائف على الباطل أولى وأحرى‏.‏

وأي أمة من الأمم اعتبرتها وجدت المصدقين بنبوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم جمهورها وأقلها وأراذلها، هم الجاحدون لنبوته، فرقعة الإسلام قد اتسعت في مشارق الأرض ومغاربها غاية الاتساع، بدخول هذه الأمم في دينه، وتصديقهم برسالته‏.‏

وبقي من لم يدخل منهم في دينه وهم من كل أمة أقلها، وأين يقع النصارى المكذبون برسالته اليوم من أمة النصرانية الذين كانوا قبله‏؟‏ ‏!‏‏.‏

وكذلك اليهود، والمجوس، والصابئة، لا نسبة للمكذبين برسالته بعد بعثه إلى جملة تلك الأمة قبل بعثه، وقد أخبر تعالى عن الأمم التي أطبقت على تكذيب الرسل، ودمرها الله تعالى، فقال تعالى‏:‏

‏(‏ثم أرسلنا رسلنا تترا كلما جاء أمة رسولها كذبوه فاتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون‏)‏ فأخبر عن هؤلاء الأمم أنهم تطابقوا على تكذيب رسلهم، وأنه عمهم بالإهلاك‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏(‏كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون‏)‏ ومعلوم قطعا أن الله تعالى لم يهلك هذه الأمم الكثيرة إلا بعد ما تبين لهم الهدى، فاختاروا عليه الكفر، ولو لم يتبين لهم الهدى لم يهلكهم‏.‏

كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون‏)‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين‏)‏، أي‏:‏ فلم يكن قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس، ومعلوم قطعا أنه لم يصدق نبي من الأنبياء من أولهم إلى آخرهم، ولم يتبعه من الأمم ما صدق محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم، والذين اتبعوه من الأمم أضعاف هاتين الأمتين المكذبتين مما لا يحصيهم إلا الله، ولا يستريب من له مسكة من عقل أن الضلال، والجهل، والغي، وفساد العقل إلى من خالفه، وجحد نبوته، أقرب منه إلى اتباعه ومن أقر بنبوته، وحينئذ فيقال‏:‏

كيف جاز على هؤلاء الأمم التي لا يحصيها ‏(‏ص 15‏)‏ إلا الله الذين قد بلغوا مشارق الأرض ومغاربها على اختلاف طبائعهم، وأغراضهم، وتباين مقاصدهم، الإطباق على اتباع من يكذب على الله، وعلى رسله، وعلى العقل، ويحل ما حرم الله ورسله، ويحرم ما أحله الله ورسله‏.‏

ومعلوم أن الكاذب على الله في دعوى الرسالة، وهو شر خلق الله وأفجرهم، وأظلمهم، وأكذبهم‏.‏

ولا يشك من له أدنى عقل أن إطباق أكثر الأمم على متابعة هذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وخروجهم عن ديارهم، وأموالهم، ومعاداتهم آباءهم وأبناءهم وعشائرهم في متابعته، وبذلهم نفوسهم بين يديه من أمحل المحال‏.‏

فتجويز اختيارهم الكفر بعد تبين الهدى على شرذمة قليلة حقيرة لها أغراض عديدة من هاتين الأمتين، أولى من تجويز ذلك على المسلمين الذين طبقوا مشارق الأرض ومغاربها، وهم أعقل الأمم وأكملها في جميع خصال الفضل‏.‏

وأين عقول اليهود والنصارى، الذين أضحكوا سائر العقلاء على عقولهم، ودلوهم على مبلغها، بما قالوه في معبودهم من عقول المسلمين‏؟‏ ‏!‏

وإذا جاز اتفاق - أمة فيها من قد ذكره هذا السائل - على أن رب العالمين، وخالق السموات والأرضين نزل عن عرشه، وكرسي عظمته، ودخل في بطن امرأة في محل الحيض والطمث، عدة شهور، ثم خرج من فرجها طفلا يمص الثدي ويبكي، ويكبر شيئاً فشيئاً، ويأكل ويشرب ويبول، ويصح ويمرض، ويفرح ويحزن، ويلذ ويألم‏.‏

ثم دبر حيلة على عدوه إبليس، بأن مكن أعداءه اليهود من نفسه، فأمسكوه وساقوه إلى خشبتين يصلبونه عليهما، وهم يجرونه إلى الصلب، والأوباش الأراذل قدامه وخلفه، وعن يمينه وعن يساره، وهو يستغيث ويبكي، فقربوه من الخشبتين، ثم توجوه بتاج من الشوك، وأوجعوه صفعا، ثم حملوه على الصليب، وسمروا يديه ورجليه، وجعلوه بين لصين، وهو الذي اختار هذا كله لتتم له الحيلة على إبليس ليخلص آدم وسائر الأنبياء من سجنه، ففداهم بنفسه، حتى خلصوا من سجن إبليس، وإذا جاز اتفاق هذه الأمة، وفيهم‏:‏ الأحبار، والرهبان، والقسيسون، والزهاد، والعباد، والفقهاء، ومن ذكرتم على هذا القول في معبودهم وإلههم، حتى قال قائل منهم - وهو من أكابرهم عندهم -‏:‏

اليد التي خلقت آدم هي التي باشرت المسامير، ونالت الصلب، فكيف لا يجوز عليهم الاتفاق على تكذيب من جاء بتكفيرهم، وتضليلهم، ونادى سرا وجهرا بكذبهم على الله، وشتمهم له أقبح شتم، وكذبهم على المسيح، وتبديلهم دينه، وعاداهم وقاتلهم، وبرأهم من المسيح وبرأه منهم، وأخبر أنهم وقود النار وحصب جهنم‏.‏

فهذا أحد الأسباب التي اختاروا لأجلها الكفر على الإيمان، وهو من أعظم الأسباب، فقولكم‏:‏ ‏(‏‏(‏أن المسلمين يقولون‏:‏ أنهم لم يمنعهم من الدخول في الإسلام إلا الرياسة والمأكلة لا غير‏)‏‏)‏ كذب على المسلمين، بل الرياسة والمأكلة من جملة الأسباب المانعة لهم من الدخول في‏(‏ص 16‏)‏ الدين، وقد ناظرنا نحن وغيرنا جماعة منهم، فلما تبين لبعضهم فساد ما هم عليه، قالوا‏:‏

لو دخلنا في الإسلام لكنا من أقل المسلمين، لا يأبه لنا، ونحن متحكمون في أهل ملتنا، في أموالهم، ومناصبهم، ولنا بينهم أعظم الجاه، وهل منع فرعون وقومه من اتباع موسى إلا ذلك‏؟‏ ‏!‏‏.‏

*2* الأسباب المانعة من قبول الحق

والأسباب المانعة من قبول الحق كثيرة جدا، فمنها‏:‏

*3*‏( ‏الجهل به‏)‏

وهذا السبب هو الغالب على أكثر النفوس، فإن من جهل شيئاً عاداه، وعادى أهله، فإن انضاف إلى هذا السبب بغض من أمره بالحق، ومعاداته له، وحسده، كان المانع من القبول أقوى، فإن انضاف إلى ذلك ألفه وعادته ومرباه على ما كان عليه آباؤه، ومن يحبه ويعظمه، قوي المانع، فإن انضاف إلى ذلك، توهمه أن الحق الذي دعي إليه يحول بينه وبين جاهه وعزه وشهواته وأغراضه، قوى المانع من القبول جدا، فإن انضاف إلى ذلك، خوفه من أصحابه وعشيرته وقومه على نفسه وماله وجاهه‏.‏

كما وقع لهرقل ملك النصارى بالشام على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ازداد المانع من قبول الحق قوة، فإن هرقل عرف الحق وهم بالدخول في الإسلام فلم يطاوعه قومه وخافهم على نفسه، فاختار الكفر على الإسلام، بعد ما تبين له الهدى، كما سيأتي ذكر قصته إن شاء الله تعالى‏.‏

*3*‏( ‏الحسد‏)‏

ومن أعظم هذه الأسباب‏:‏ ‏(‏الحسد‏)‏ فإنه داء كامن في النفس، ويرى الحاسد المحسود قد فضل عليه، وأوتي ما لم يؤت نظيره، فلا يدعه الحسد أن ينقاد له، ويكون من أتباعه، وهل منع إبليس من السجود لآدم إلا الحسد‏؟‏ ‏!‏ فإنه لما رآه قد فضل عليه، ورفع فوقه، غص بريقه، واختار الكفر على الإيمان بعد إن كان بين الملائكة‏.‏

وهذا الداء هو الذي منع اليهود من الإيمان بعيسى ابن مريم، وقد علموا علما لا شك فيه أنه رسول الله جاء بالبينات والهدى، فحملهم الحسد على أن اختاروا الكفر على الإيمان وأطبقوا عليه، وهم أمة فيهم الأحبار، والعلماء، والزهاد، والقضاة، والأمراء‏.‏

هذا وقد جاء المسيح بحكم التوراة لم يأت بشريعة يخالفها ولم يقاتلهم، وإنما أتي بتحليل بعض ما حرم عليهم، تخفيفا ورحمة وإحساناً، وجاء مكملا لشريعة التوراة، ومع هذا فاختاروا كلهم الكفر على الإيمان‏.‏

فكيف يكون حالهم مع نبي جاء بشريعة مستقلة، ناسخة لجميع الشرائع، مبكتا له بقبائحم، ومناديا على فضائحهم، ومخرجاً لهم من ديارهم، وقد قاتلوه وحاربوه، وهو في ذلك كله ينصر‏(‏ص 17‏)‏ عليهم ويظفر بهم، ويعلو هو وأصحابه، وهو معه دائما في سفال، فكيف لا يملك الحسد والبغي قلوبهم‏؟‏ ‏!‏

وأين يقع حالهم معه من حالهم مع المسيح، وقد أطبقوا على الكفر به من بعد ما تبين لهم الهدي، وهذا السبب وحده كاف في رد الحق، فكيف إذا انضاف إليه زوال الرياسات والمأكل كما تقدم‏.‏

وقد قال المسور بن مخرمة - وهو ابن أخت أبي جهل - لأبي جهل‏:‏ يا خالي هل كنتم تتهمون محمدا بالكذب قبل أن يقول ما قال‏؟‏ فقال‏:‏ يا ابن أختي، والله لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم فينا وهو شاب يدعى الأمين، فما جربنا عليه كذبا قط‏.‏ قال‏:‏ يا خال‏!‏ فما لكم لا تتبعونه‏؟‏ ‏!‏ قال‏:‏يا ابن أختي، تنازعنا نحن وبنوا هاشم الشرف، فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا‏:‏ منا نبي فمتى ندرك مثل هذه‏!‏

وقال الأخنس بن شريق يوم بدر لأبي جهل‏:‏ يا أبا الحكم‏!‏ أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس ها هنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا‏؟‏ فقال أبو جهل‏:‏ ويحك‏!‏والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء، والحجابة، والسقاية، والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش‏؟‏ ‏!‏‏.‏

*2* علماء اليهود يعرفون النبي كما يعرفون أبناءهم

وأما ‏(‏‏(‏اليهود‏)‏‏)‏ فقد كان علماؤهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، قال ابن إسحاق‏:‏ حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة‏:‏ هل تدري عما كان إسلام أسد، وثعلبة، ابني شعبة، وأسد بن عبيد، لم يكونوا من بني قريظة ولا النضير، كانوا فوق ذلك‏؟‏

فقلت‏:‏ لا، قال‏:‏ فإنه قدم علينا رجل من الشام من اليهود، يقال له‏:‏ ابن الهيبان، فأقام عندنا، والله ما رأينا رجلا يصلى خيرا منه، فقدم علينا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين، فكنا إذا قحطنا وقل علينا المطر، نقول‏:‏

يا ابن الهيبان اخرج فاستسق لنا‏:‏ فيقول‏:‏ لا والله حتى تقدموا أمام مخرجكم صدقة، فنقول‏:‏ كم‏؟‏ فيقول‏:‏ صاع من تمر، أو مدين من شعير، فنخرجه، ثم يخرج إلى ظاهر حرتنا ونحن معه نستسقي، فوالله ما يقوم من مجلسه حتى تمطر ويمر بالشعاب‏.‏

قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثة، فحضرته الوفاة واجتمعنا إليه فقال‏:‏ يا معشر يهود‏!‏ أترون ما أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع‏؟‏ قالوا‏:‏ أنت أعلم، قال‏:‏ فإني إنما خرجت أتوقع خروج نبي قد أظل زمانه هذه البلاد مهاجره، فاتبعوه ولا يسبقن إليه غيركم إذا خرج، يا معشر اليهود‏!‏ فإنه يبعث بسفك الدماء، وسبي الذراري والنساء ممن يخالفه فلا يمنعكم ذلك منه ثم ‏(‏ص 18‏)‏ مات‏.‏

فلما كانت الليلة التي فتحت فيها قريظة، قال أولئك الثلاثة الفتية وكانوا شباناً أحداثا‏:‏ يا معشر اليهود‏!‏ والله إنه للذي ذكر لكم ابن الهيبان، فقالوا‏:‏ ما هو به، قالوا‏:‏ بلى والله إنه لصفته، ثم نزلوا، وأسلموا وخلوا أموالهم وأهليهم‏.‏

قال ابن إسحاق وكانت أموالهم في الحصن مع المشركين، فلما فتح ردت عليهم، وقال ابن إسحاق‏:‏ حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد، قال‏:‏ كان بين أبياتنا يهودي، فخرج على نادي قومه بنى عبد الأشهل ذات غداة، فذكر البعث، والقيامة، والجنة، والنار، والحساب، والميزان، فقال ذلك لأصحاب وثن‏:‏ لا يرون أن بعثاً كائن بعد الموت، وذلك قبيل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا‏:‏ ويحك يا فلان‏!‏

وهذا كائن أن الناس يُبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، ويجزون بأعمالهم‏؟‏ ‏!‏

قال‏:‏ نعم، والذي يحلف به لوددت أن حظي من تلك النار أن توقدوا أعظم تنور في داركم فتحمونه، ثم تقذفوني فيه، ثم تطبقون علي، وأنى أنجو من النار غدا، فقيل‏:‏يا فلان ما علامة ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نبي يُبعث من ناحية هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن‏.‏

قالوا‏:‏ فمتى نراه‏؟‏ فرمى بطرفه فرآني وأنا مضطجع بفناء باب أهلي، وأنا أحدث القوم، فقال‏:‏ إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه، فما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنه لحي بين أظهرنا، فآمنا به، وصدقناه، وكفر به بغيا وحسدا، فقلنا‏:‏ يا فلان، ألست الذي قلت ما قلت وأخبرتنا به‏؟‏ ‏!‏ قال‏:‏ ليس به‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال‏:‏ حدثني أشياخ منا قالوا‏:‏ لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منا، كان معنا يهود، وكانوا أهل كتاب، وكنا أصحاب وثن، وكنا إذا بلغنا منهم ما يكرهون، قالوا إن نبيا مبعوثا الآن، قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم قتل عاد وإرم‏.‏

فلما بعث الله عز وجل رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، اتبعناه وكفروا به ففينا وفيهم أنزل الله عز وجل‏:‏ ‏(‏وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين‏)‏‏.‏

وذكر الحاكم وغيره عن ابن أبي نجيح، عن علي الأزدي، قال‏:‏ كانت اليهود تقول‏:‏ اللهم ابعث لنا هذا النبي يحكم بيننا وبين الناس‏.‏

وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فلما التقوا هُزمت يهود خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء فقالت‏:‏ اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، قال‏:‏ فكانوا إذا التفوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان‏.‏

فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به، فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏(‏وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا‏)‏ يعني‏:‏ بك يا محمد ‏(‏فلعنة الله على الكافرين‏)‏ و‏(‏يستفتحون‏)‏ أي‏:‏ يستنصرون‏.‏

وذكر الحاكم وغيره‏:‏ أن بني النضير لما أُجلوا من المدينة أقبل عمرو ابن‏(‏ص 19‏)‏ سعد فأطاف بمنازلهم فرأى خرابها، ففكر، ثم رجع إلى بني قريظة فوجدهم في الكنيسة فنفخ في بوقهم، فاجتمعوا، فقال الزبير بن باطا‏:‏

يا أبا سعيد، أين كنت منذ اليوم، فلم نرك، وكان لا يفارق الكنيسة، وكان يتأله في اليهودية، قال‏:‏ رأيت اليوم عبرا اعتبرنا بها، رأيت إخواننا قد جلوا بعد ذلك العز والجلد والشرف الفاضل، والعقل البارع، بد تركوا أموالهم وملكها غيرهم، وخرجوا خروج ذل، ولا والتوراة، ما سلط هذا على قوم قط لله بهم حاجة‏.‏

وقد أوقع قبل ذلك بابن الأشرف في عزة بنيانه في بيته آمنا، وأوقع بابن سنينة سيدهم، وأوقع ببني قينقاع فأجلاهم وهم جل اليهود، وكانوا أهل عدة وسلاح ونجدة‏.‏

فحصرهم النبي عليه السلام، فلم يخرج إنسان منهم رأسه حتى سباهم، فكلم فيهم، فتركهم، على أن أجلاهم من يثرب، يا قوم، قد رأيتم ما رأيتم فأطيعوني، وتعالوا نتبع محمداً، فوالله أنكم لتعلمون أنه نبي، وقد بشرنا به وبأمره ابن الهيبان، وأبو عمرو بن حواس، وهما أعلم اليهود، جاء من بيت المقدس، يتوكفان قدومه، وأمرانا باتباعه، وأمرانا أن نقرئه منهما السلام، ثم ماتا على دينهما ودفناهما بحرتنا‏.‏

فأسكت القوم فلم يتكلم منهم متكلم، فأعاد هذا الكلام ونحوه، وخوفهم بالحرب والسباء والجلاء‏.‏

فقال الزبير بن باطا‏:‏ قد والتوراة قرأت صفته في كتاب التوراة التي أنزلت على موسى، ليس في المثاني التي أحدثنا، فقال له كعب بن أسد‏:‏ ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتباعه‏؟‏ قال‏:‏ أنت، قال‏:‏ ولم فوالتوراة ما حلت بينك وبينه قط‏؟‏

قال الزبير‏:‏ بل أنت صاحب عهدنا وعقدنا، فإن اتبعته اتبعناه، وإن أبيت أبينا، فأقبل عمرو بن سعد على كعب فذكر ما تقاولا في ذلك، إلى أن قال كعب‏:‏ ما عندي في ذلك إلا ما قلت، ما تطيب نفسي أن أصير تابعا‏.‏

وهذا المانع هو الذي منع فرعون من اتباع موسى، فإنه لما تبين له الهدى، عزم على اتباع موسى عليه السلام، فقال له وزيره هامان‏:‏ بينا أنت إله تعبد، تصبح تعبد ربا غيرك‏؟‏ ‏!‏ قال‏:‏صدقت‏.‏

وذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، قال‏:‏ حدثت عن صفية بنت حيي أنها قالت‏:‏ كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، غدوا عليه، ثم جاءا من العشي، فسمعت عمي يقول لأبي‏:‏ أهو هو‏؟‏ قال‏:‏ نعم والله، قال‏:‏ أتعرفه وتثبته‏؟‏ ‏!‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ فما في نفسك منه‏؟‏ قال‏:‏ عداوته والله ما بقيت‏.‏ فهذه أمة اليهود معروفة بعداوة الأنبياء قديما وأسلافهم وخيارهم، قد أخبرنا الله سبحانه عن أذاهم لموسى، ونهانا عن التشبه بهم في ذلك، فقال‏:‏ ‏(‏يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها‏)‏‏.‏

وأما خلفهم‏:‏ فهم قتلة الأنبياء قتلوا زكريا، وابنه يحيى، وخلقاً كثيراً من الأنبياء، حتى قتلوا في يوم سبعين نبيا، وأقاموا السوق في آخر النهار كأنهم لم يصنعوا شيئا، واجتمعوا على قتل المسيح وصلبه، فصانه الله من

‏(‏ص 20‏)‏ ذلك، وأكرمه أن يهينه على أيديهم، وألقى شبهه على غيره، فقتلوه، وصلبوه، وراموا قتل خاتم النبيين مرارا عديدة، والله يعصمه منهم‏.‏

ومن هذا شأنهم لا يكبر عليهم اختيار الكفر على الإيمان لسبب من الأسباب التي ذكرنا بعضها أو سببين أو أكثر‏.‏

*2* لا غرابة في جحد النصارى رسالة محمد وقد سبوا الله

وقد ذكرنا اتفاق اليهود والنصارى، على مسبة رب العالمين، أقبح مسبة على ما يعلم بطلانه بصريح العقل، فإن خفي عليهم أن هذا مسبة لله، وأن العقل يحكم ببطلانه وبفساده من أول وهلة لم يكثر على تلك العقول السخيفة أن تسب بشرا أرسله الله، وتجحد نبوته، وتكابر ما دل عليه صريح العقل من صدقه وصحة رسالته‏.‏

فلو قالوا فيه ما قالوا لم يبلغ بعض قولهم في رب الأرض والسموات، الذي صاروا به ضحكة بين جميع أصناف بني آدم، فأمة أطبقت على أن الإله الحق سبحانه عما يقولون، صلب، وصفع، وسمر، ووضع الشوك على رأسه، ودفن في التراب‏.‏

ثم قام في اليوم الثالث، وصعد على وجلس على عرشه يدبر أمر السموات والأرض، لا يكثر عليها أن تطبق على جحد نبوة من جاء بسبها، ولعنها، ومحاربتها، وإبداء معايبها، والنداء على كفرها بالله ورسوله، والشهادة على براءة المسيح منها، ومعاداته لها، ثم قاتلها وأذلها وأخرجها من ديارها، وضرب عليها الجزية، وأخبر أنها من أهل الجحيم خالدة مخلدة، لا يغفر الله لها، وأنها شر من الحمير، بل هي شر الدواب عند الله‏.‏